~ كان منا إثنان، أنا وعدي؛ صديقي الذي لم يفارقني طوال السنوات الثلاث الماضية. لم أكن أتوقع أن أحصل على صديق مثله أبدًا، كانت تلك السنوات الثلاث هي ما يمكن لطفل مثلي في السادسة من عمره أن يتذكره، أعتقد أنني أعرفه من قبل ذلك، لكن هذا أقصى ما بإمكاني تذكره مهما حاولت. ربما لم أكن لأتعلق بطفل آخر غيره هكذا للأبد. لقد كان يعيش في أحد المرافئ الخاصة برعاية الأطفال؛ بوجهه ذلك، لم يكن قد فهم بعد الفرق بين أن يعيش في مكانه ذلك أو مع والدته المطلقة. لقد كان من أصحاب الذكاء المتوسط المائل للمتدني، لذلك فبالنسبة لطفل مثله، طالما أنه يعيش ويلعب فهذا كافٍ لجعله يبتسم ابتسامته تلك، الابتسامة التي لا يمكن لأي شخص فهمها سوى من تعامل معه
كانت أمه قد تخلّت عنه ووضعته في المرفأ بسبب شكل وجهه المشوه. كان شكله أشبه بالمسوخ من قصص خيالية، لطفرة جينية كما أخذنا في درس العلوم الأسبوع الماضي. تختلط ملامح جانب وجهه الأيمن كما لو أنها شمعة تنصهر، متدلية ومجعدة بطريقة تكاد تكون مخيفة، ناهيك عن شكل أطرافه الأربعة كاملة والأصابع الأربعة في اليد. كل شيء فيه لم يكن بالشكل المناسب، كان شكله مرعبًا للغاية لطفل مستجد في المرفأ، لكنه على عكس ذلك تمامًا لمن عرفه؛ لم أكن أعرف ألطف منه، ولا فكاهيًا مثله
كنت قد تعرفت عليه أثناء عودتي من الحضانة قبل عدة سنوات، دائمًا ما يكون واقفًا خلف بوابة المرفأ، وهو المرفأ الوحيد بالبلدة عندنا، حيث يقع في نفس الطريق المؤدي لحضانتي حينها. لا أنكر أنني كنت أعبر الطريق للوصول إلى الرصيف الثاني بعيدًا عنه، كنت أخاف جدًا، فأنا شخص جبان حين يتعلق الأمر بالوحوش، لأنني بالتأكيد لست فارسًا يمكنه هزيمة الوحش الذي يقابله، كما أنني لست مستعدًا لأن أفعلها على نفسي لمجرد أن أُمر من أمامه. كنت أرتعد من خوفي منه، لأنني كنت ألاحظه على مر الشهر الأول يرمقني بنظرة غريبة طوال مروري، كنت دائمًا ما أتفقد نفسي لأرى إن كنت أفعل شيئًا خاطئًا أو أن لباسي به خطأ ما، لكن دون جدوى
كانت المرة الأولى التي أمشي فيها على نفس الرصيف جهة المرفأ هي تلك المرة التي لم ألمحه فيها. قلت في نفسي أن عليّ أن أتحلى ببعض الشجاعة للمرور من هنا، فهذا هو الطريق الأقرب للمنزل ودون عبور الطريق المليء بالسيارات. كنت أمشي جوار الحائط الطويل، أسمع أصوات ضحك لأطفال كثر، كانت مليئة بالسعادة، ما جعلني أطمئن للحظة، ثم ما أن اقتربت من البوابة حيث مكان وقوفه دائمًا خلف السياج، بدأت بالركض حتى ألا ألمحه إن كان قريبًا من هنا. مررت بسرعة شائحًا وجهي على الجهة الأخرى، لكنني لم أخف يومها. قررت وبعد أن عبرت أمام البوابة أن أختلس النظر داخل المرفأ الذي في طريق حضانتي هذا، كان الأطفال هناك وكأنهم يحتفلون بفوز ما في لعبة كرة قدم أو ما شابه، ثم إذا بي ألمح أحدهم جوار مكب النفايات الكبير ذلك جوار البوابة من الداخل، جالسًا متقرفصًا ينوح في صمت أو لنقل ما نسميها "نهنهة". إنني طفل لم يتعدَ الأربع سنوات، أي أنني أبله بالكامل، لا أعرف كيف أرفع بنطالي إن سقط، بل أنتظر المشرفة في حضانتي أن تقوم بذلك، والآن أنا أمام طفل آخر يبكي، كما أنه على ما أعتقد أكبر مني بسنة أو سنتين. بعد أقل من نصف دقيقة بدأت بالبكاء أيضًا، ليصبح هناك اثنان يبكيان، بلا أي أحد كبير، وبلا مشرفة لتخبرني أن كل شيء بخير. كنت أفرك عيني بكلتا يديّ من الدموع، لذلك لم أكن أرى أمامي شيئًا، ثم مسحتها مسحة طويلة بأحد ذراعي الجاكيت الذي أرتديه، ونظرت نحو البوابة مرة أخرى. كانت الرؤية مشوشة بسبب الدموع، ثم اتضحت بعدها بثوانٍ؛ كان ذلك الطفل الذي طالما هربت منه! ازدادت دقات قلبي من شدة الخوف، وخفت أن أبلل سروالي أمام طفل آخر، لكنني متسمر لا أستطيع الحراك. "لديك حقيبة أسد ملونة جميلة"، سمعت هذه الجملة من مكان ما بالقرب مني، لكن لم أكن أعرف مصدر الصوت. "لقد رأيتها مرات عديدة وأنت تمشي على الرصيف، هل تسكن هنا آخر الشارع؟". كنت ألتفت حولي، لا يوجد أحد حولنا، لا يوجد أحد قريب مني إلا هو. سألته بخوف: "هل أنت من تتكلم؟ هل تستطيع التكلم؟ ألن تعضني؟". كنت ألمح حركة في وجهه المخيف عند صدور الصوت، لكن ليس كباقي الأطفال أو حتى الكبار. ضحك بروح خفيفة وقال: "نعم، هل أنت مستغرب؟ أنا فقط مختلف قليلًا.. لا، مختلف كثيرًا". إننا أطفال ساذجون لا نفهم معنى أن يكون الآخرون مختلفين، لكنه كان يفهم ذلك. نسينا أننا كنا نبكي قبل قليل، وتبادلنا القليل من الكلام، ثم ذهبت مسرعًا للبيت
استمرت علاقتنا من وراء السياج، واستمرينا في الأمر؛ أن نتقابل كل يوم لبعض الدقائق نتكلم بسرعة وأعود للبيت قبل أن أتأخر. تكلمنا كثيرًا، كان الكلام عنه أكثر، سألته لمَ شكله يختلف عنا؟ لكنه لم يعرف مثلي بالضبط، وهل يملك هو والأطفال هنا أبًا وأمًا مثل الآخرين في الخارج؟ لكنه أيضًا لم يكن يعرف ذلك، أخبرني أنه سيسأل المربية هنا هذه الأسئلة
بالفعل في اليوم الآخر، جاء يخبرني وهو سعيد جدًا لأنه أخيرًا عرف الجواب. لقد كنا أطفالًا يدفعنا الشغف لمعرفة المجهول، صحيح أنني لازلت طفلًا في الصف الرابع الابتدائي، لكنني طفل أكبر من ثلاث أو أربع سنوات خلت. لقد كان سعيدًا أنه عرف الإجابة وأنا كذلك: "نعم، لقد أخبرتني المربية الكثير عن الآباء والأمهات ولماذا شكلي هكذا، جميع الأطفال هؤلاء يملكون آباء وأمهات عاديين، بينما أنا؛ أبي أنا هو الغول القوي، ولهذا شكلي مختلف عنهم، ولكن لا أعلم... لقد ضحكت بعد هذا، أليس جميلًا أن أكون مميزًا؟ لقد أخبرتني أنني غول قوي، أليس هذا جيدًا؟". أوه جميل، ياللروعة، أنت مميز يا عدي
في اليوم التالي اخترعت المربية لعبة جديدة تسمى "الفرسان والغول"، حيث يقوم الفرسان بتكوين فريقين يلحقون بالغول ويمسكون به، ومن يمسكه أولًا يفوز. "لدينا غول حقيقي هنا!" وضحكت
كانت اللعبة جميلة في البداية وقد أخبرني عدي بذلك أنه يستمتع، ولكن مع مرور الأيام، أصبح الفرسان يريدون القضاء على الغول، أصبحوا يضربونه، وكلما حاول ردعهم، يمسكه بعضهم ويضربه البعض الآخر. تنامت العدوانية عند الفرسان تجاه الغول، ولم تعد اللعبة ممتعة بالنسبة له. أخبرني عدي بذلك عدة مرات، لكن لا أحد يريد أن يتوقف عن ذلك، حتى داخل حصص الروضة يعتدون عليه دون أدنى تدخل من المربية
لقد كبرنا الآن عامًا ونصفًا، لكن الأمر لا يتوقف، لقد بدأ عدي يتغير، لكن ما باليد حيلة، كل ما في علاقتنا هي كلام من خلف السياج. إنها الإجازة الأخيرة الآن قبل بدء المدرسة، انتهينا من الحضانة والتمهيدية والروضة
كنت أقوم بتوفير مصروفي لعدة أيام وأشتري شيئًا نتسلى به في الإجازة؛ سلّم وحية، بالونات. أذكر أنني قد اشتريت دفتر رسم ذات مرة مع خمسة ألوان، وكان هذا أغلى ما تمكنت من شرائه، رسمنا فيه بيتًا ذا أربع شرفات، وتواعدنا أن نسكن فيه عندما نكبر، لكنني لا أنكر، عدي تغير كثيرًا
حتى أنا؛ بدأت أدرك أن ما كانت تفعله المربية كان خاطئًا، لكنني أعتقد أنه أدرك ذلك مسبقًا
إننا ليس إلا أطفالًا سذجًا على كل حال، ماذا بإمكاننا أن نفعل؟
مرت سنة أخرى، أول سنة مدرسية، الصف الأول، وإجازة أخرى، وعدي يتغير بطريقة لا أفهمها، ولكننا على نفس الحال من لقاءاتنا
ذهبت متأخرًا بربع ساعة أو ثلث ساعة للقائه، كان اليوم قبل الأخير في الإجازة، وجدت حارس المرفأ يركض وراء طفل ما على الطريق ثم انعطف لليمين نحو محطة القطار. لم ألق لهم بالًا، ووقفت قرب البوابة أنتظره، صديقي عدي، لكنه لم يأتِ حتى بعد مرور ما يقارب ساعة. ولكنني وبطريقة ما سمعت فوضى قرب البوابة الأخرى، فعلمت أن هناك شيئًا بالداخل، فقلت لنفسي أعود غدًا. ولكنه لم يأتِ أيضًا؛ يوم وآخر ولم يأتِ عدي! ربما قد تضايق بسبب تأخري عليه! ربما مريض وفي الفراش!. مر حوالي عشرة أيام لم أره فيها، كنت قد ذهبت في اليوم العاشر ذاك لحلاقة شعري، أنتظر دوري، كانت هناك جرائد ملقاة على طاولة وسط كشك الحلاقة، تناولت إحداها، وغيرها، كلها مملة، بلا صور تشد انتباهي كطفل في الصف الثاني. ثم وفي إحداها عنوان كبير: "وحش يحرق معلمته وزملائه وينتحر". بدأت أقرأ التفاصيل كأي خبر مسلٍّ، لكن المعلومات هنا تجعل رأسي يكاد يتصدع؛ لا شيء مؤكد، لكنها تروي حكاية طفل مسخ في المرفأ المجاور لنا، أحرق معلمته وزملائه بمواد تنظيف حارقة من مستودع عمال النظافة، وأنه هرب بعدها وألقى بنفسه على سكة القطار، وتذكر شهود أخرى أنه وحش بامتياز، إذ أنه ضحك عند رشقه المواد الحارقة عليهم، وأخبرهم: "الآن ستصبحون غيلانًا أيضًا"، وهرب بعدها
خرجت بسرعة من كشك الحلاقة نحو المرفأ: "لا، لا بد أنها مزحة ثقيلة، إنه مجرد تشابه ليس إلا، سيعود عدي في أي وقت، أنا متأكد". أنا لست متأكدًا بالمرة، أنا خائف، أنا مجرد وغد خائف لم يساعد صديقه، ربما أنت من تسببت بهذا بسبب تأخرك عليه!. "عدي سيعود". جلست على الرصيف وحدي لمدة طويلة، لقد كنت لا أستطيع أن أستوعب، لا بد أن هناك خطأ ما. ذهبت متأخرًا إلى البيت دون أن أحلّق شعري، فوبختني أمي وسألتني عن سبب تضييعي لوقتي: "هل تريد أن تصبح فاشلًا وتضيع وقت دراستك؟". لم أستطع أن أرد بحرف واحد، فلطمتني بضعة كفوف كانت كافية لجعلي أبكي، وهذا ما كنت أريده بالضبط، أن أبكي، ربما سيزول كل هذا لو بكيت، وسيعود بعدها عدي
مرت أيام كثيرة أذهب كعادتي إلى هناك، ولكن دون فائدة، يبدو الأمر كما لو أنه يدفعني لأفقد الأمل. إنني في الصف الرابع الآن، ولا زلت أذهب كل يوم هناك، إنني مجرد طفل أكبر قليلًا من ذي قبل، كل ما أريده هو أن أكبر وأصبح محرر جرائد، لأنفي ذلك الخبر، لأكتب لعدي في الجريدة أنني لا زلت أنتظره وليأتيني من مكان ما
ذهبت مرة فوجدت الكثير من عدي عند السياج، كلهم غيلان، لكن لا أحد يملك صوت عدي منهم، لكنني متأكد أن عدي سيأتي ليلعب معكم كعائلة غيلان، هل نتسلى معًا لحين يأتي عدي؟




