~ إلى اللقاء، توماس، اعذرني، أريد اللحاق بقطار العودة، قطار الخامسة مساءً، أراك لاحقًا -
إلى اللقاء، عودة موفقة، أراك =
ومن ثم بدأت بالركض نحو الدرج الذي يؤدي للأسفل، حيث توجد محطّة القطار
كان هذا تقريبًا آخر لقاء مع زميلي، فلا أعلم متى ستكون المرّة القادمة، فقد انتهى عقد العمل هنا في الشركة، وأنا متوجّه الآن نحو شقتي في المدينة المجاورة ككل نهاية أسبوع، لكنّ هذه المرة بلا عودة، بالأحرى، عودة دون ذهاب آخر
لا أنكر أن العامين الماضيين كانا يملكان كل تلك الذكريات الجميلة التي تربطني بزملائي هنا، النكات من خلف المكاتب، مزحاتنا مع بعضنا البعض، خاصّة الثقيلة منها، اتفاقنا مع العامل الذي يعدّ القهوة الصباحيّة على وضع بعض الملح في قهوة أحدهم، الرحلات أيضًا، ياااه، فعلًا لا شيء أهم من الذكريات الجميلة مع الآخرين
كانت الساعة تشير إلى أنه تبقّى حوالي سبع دقائق لبدء السّاعة الجديدة، لذلك بدأت بالركض، أعلم أنها كافية لوصولي قبل تحرّك القطار، إلّا أنني أفضّل أن أعثر على مقعد بجانب النافذة في رحلتي عودتي الطويلة هذه، ستبدو الثلاث ساعات مملة إن لم يكن باستطاعتي رؤية العالم الذي يتسارع للخلف للمرّة الألف، وملاحظة أشياء جديدة لم أنتبه لها من قبل، طول الأعشاب في تلك المساحات الشاسعة، مخازن القمح القروية التي لا تزال تعمل على طاقة طواحين الهواء، وديان المياه، الشجرة القديمة، لا أستطيع قضاء ساعاتي الثلاث بدون كل هذا، لذا كنت أركض
أركض، لكن على غير العادة، الدرج أقلّ اكتظاظًا من كلّ مرّة، كما أنّ من سرت بمحاذاته يتّجه للأعلى، لكنّني سأذهب للأسفل، لم أنظر للسّاعة، لكن تبقّت أربع دقائق على تقديري، لا زال الراكبون يصعدون الآن على متن القطار، وسأتخطاهم وأصعد لأجلس بجوار الشبّاك، لكن ما إن وصلت، تبيّن لي أنّه لا يوجد قطار، لابدّ أنني أسرعت قليلًا، سيصل بعد قليل
توجّهت نحو شباك موظفة التذاكر في غرفة محطّة النفق لأسألها عن الموعد لأتأكّد، لكن في طريقي نحوها، انتبهت أنّه لا يوجد الكثير من الركّاب في المحطّة، ربما لأنّها نهاية السنة! يفضّل الناس قضاء أوقاتهم في المدينة المركزية بدلًا من المدن الطرفيّة، الشعبيّة
الحقيقة إنّ اختياري للعيش في شقّة تبعد ثلاث ساعات عن مكان عملي هنا في العاصمة كان خيارًا صعبًا منذ البداية، بداية عملي في الشركة في وظيفتي السابقة، ولم أكن أعرف كيف سأتدبّر أموري، لكن أجارات الشقق هنا باهظة للغاية، بالكاد أستطيع أن أتدبّر أجارها مع توفير مستلزمات حياتي، هذا ونحن نتكلّم عن أصغر شقّة ممكنة لشخص يعيش بمفرده، لذا فكان خيار شقة في تلك المدينة أعود لها في نهاية الأسبوع، مع بقائي في غرفة بالمشاركة مع موظفين آخرين خلال الأسبوع، الحل الأمثل، ففي النهاية أريد توفير جزء ما لحين حاجتي له، ولا أريد أن أضيعه كلّه على الآجار والطعام
عند وصولي لشباك التذاكر ونهوض الموظّفة، في تلك اللّحظة بالضبط، رفعت ساعتي لألاحظها مرّة أخرى، فلمحت عقرب الدقائق يشير لمكان ما حول الرقم عشرة أو أحد عشر، لكنّ الموظّفة بادرتني بالسؤال: "عفوًا، كيف يمكنني أن أخدمك؟" فسألتها: متى سيصل باص الخامسة؟ يبدو أنّ الناس الذين جاؤوا معي اليوم صباحًا لا يريدون العودة، ويفضّلون قضاء بعض الوقت هنا! ردّت: "آسفة سيدي، ألم تنظر إلى السّاعة، هناك!" وأشارت لساعة كبيرة متدلّية من السقف جهة القطارات، ذات إضاءة وأرقام حمراء. "لقد غادر القطار منذ أكثر من عشر دقائق، لقد فاتك القطار." أُصبت بالصدمة حينها، م م ماذا! لقد نظرت للسّاعة في يدي، السّاعة، كيف! ونظرت للسّاعة مجدّدًا، لا يزال عقرب الدقائق مكانه مذ تركت زميلي متّجهًا لهنا، سبع دقائق على بدء الساعة الجديدة، لكنّها على بدء السّاعة الرابعة أصلًا، وليست الخامسة، يا إلهي! نظرت للسّاعة التي أشارت لها، إنها الخامسة وثلاث عشرة دقيقة، لا أصدّق كمية الإحراج التي مررت بها في هذا الموقف، كمّية الحظ السيء في اليوم السيء، كنت أفضّل لو أدركت ذلك بنفسي دون أن يكون أمام فتاة التذاكر، لكنها كانت لطيفة وتداركت الموقف: "لا تقلق، هناك قطار آخر سيغادر، لكنه سيحتاج القليل من الوقت، بعد ساعتين، أو لنقل ساعتين إلّا ربع." وابتسمت في وجهي، رددت لها ابتسامة كاذبة، شكرتها ثم ذهبت، فلا أستطيع أن أبتسم في موقف شديد الإحراج وشديد التعاسة كهذا، ما الذي سيجعل شخصًا فاته قطار عودته بحظه النحس هذا يوم انتهاء عقد عمله في نهاية السنة في فصل الشتاء، هذا التوقيت الذي سيكون البحث فيه عن فرصة عمل جديدة صعبًا
المقاعد شبه الفارغة، الناس الذين يغادرون مع أحبّتهم الذين وصلوا قبل دقائق، وصفير الرياح على مداخل النفق... هيه! أمامي ما يقارب ساعتين كاملتين على الرحلة القادمة، يا لحظّي التعيس! ماذا يمكنني أن أفعل
جلست على المقعد، ووضعت سمّاعات الأذن، ستفي بعض البودكاستات بالغرض. "الفصل الثالث: من رواية يومًا ما، للكاتبة إليزابيث فرانكشتاين..." ثمّ بدأ القاص يسرد الفصل الثالث من الرواية، من الجيد وجودها على قائمة المسموعات على هاتفي، لقد مرّ على سماعي للفصل الثاني أكثر من ثلاثة أشهر، بعد أن تركتها لشعوري بالضجر والملل بشكل عام، وعدم قدرتي على الاستماع لأي شيء، لكنّ الآن فرصة مناسبة
مرّت ما يزيد عن عشرين دقيقة على بدء الفصل، كنت قد سرحت مع القاص في رحلة البطلة الدرامية في الخلاص من القاتل الذي يحاول القضاء عليها، هربها لأماكن مجهولة مخيفة، وفي نفس الوقت عملها على كشف هويّة القاتل وسبب ملاحقته لها، لكنني انتبهت من سرحاني هذا أن المحطّة أصبحت خالية من الركّاب، نظرت يمنة ويسرة، إنها خالية تمامًا، لا يوجد شخص بسذاجتي على أي حال، أرخيت عضلات جسمي على الكرسي، أرخيت رأسي للخلف وأنا مغمض العينين وتنهّدت بصوت عالٍ، وأنا لا زلت أستمع لقراءة الفصل، ثم فتحت عيني المغلقتين، فتاة مقلوبة رأسًا على عقب! هيه! ما بالي والإحراجات مع الفتيات! رفعت رأسي بسرعة وعدّلت من جلستي، ووجهي لا يزال محمرًّا، لقد كان صوتي عاليًا، ومدويًّا في المحطّة الفارغة، أغلقت مشغل الصوت، وجلست أنظر إلى الأمام، نحو السكّة، إلى جنبي، وأختلس نظرة نحو الفتاة، فلم ألمح شكلها عندما كانت مقلوبة، أقصد عندما كنت أنا مقلوب الرأس، نظرت نحوي وابتسمت أيضًا، ما بال الفتيات يسخرن منّي؟ فتاة التذاكر والآن فتاة القطار؟ وقمت أتفحّص نفسي إن كنت أبدو مضحكًا فعلًا، أحرّك الجاكيت، السترة المصنوعة من الصوف، ومن ثمّ فتحت الكاميرا الأمامية للهاتف، لأنظر لوجهي، لشاربي، للحيتي، لشعري، ولن أقسم أنني لم أقصد أن أنظر إليها عبر كاميرة الهاتف، إلّا أنها كانت تبتسم أيضًا، حتى لو أخبرتها بذلك، لن تصدّقني
إنّ خبرتي في التعامل مع الجنس الآخر سطحية للغاية، لقد مرّ على تخرجي أكثر من ثمان أو تسع سنوات، ومن بعدها عملي بالطبع، ولكن نظرًا لكوني أعيش بمفردي في الشّقة لهذا العمر، الواحد والثلاثين، فإن خبرتي بالتعامل معهن مبنية فقط على التعاملات في الجامعة وفي العمل، لا أكثر ولا أقل، أقصد، هناك رحلات عمل ترفيهية مشتركة، لكن الأمر أن تعاملي معهن أيضًا في تلك الحالة لا يختلف كثيرًا، لا يقلّ عن الرسميّة، ولهذا ينفرن منّي، ويعتقدن دائمًا أنّني غريب الأطوار، متوحّد
استطعت أن ألمح أنها تلبس حذاءً أسود ذا رقبة طويلة، بنطال جينز أزرق، معطفًا طويلًا مصنوعًا من الصوف بلون الكراميل، وشاحًا حول رقبتها، وقبعةً صوفية أيضًا، كما أنها تمسك بيدها شيئًا ما
مرّت عدّة دقائق مذ لمحتها، سواءً عند محاولتي لذلك، أو عبر كاميرة الجوال، لكنها تبدو كعدّة ساعات، الثواني تمر ببطء للغاية، الساعة هنا رقمية، لكن أكاد أجزم أنني أسمع لصوت العقرب يدقّ مع كلّ ثانية، تمامًا كما أسمع حين أحاول النوم، من ساعة العقارب المتوقّفة هذه في يدي
قمت من مجلسي أتمشّى بالقرب، حول المقاعد الفارغة إلّا منّي ومن تلك الفتاة، وبجوار السكّة، كرة ورق مجعّدة قمت أركلها هنا وهناك حيث أمشي، تكاد تكون القمامة الوحيدة في هذا المكان النظيف، لقد نظّفته الريح قبل أن يأتي عمّال النّظافة أصلًا، بعثرتها في المكان، نحو الدرج، وعلى السكّة، أمشي جيئة وذهابًا أمام المقاعد، فلمحت شبّاك الوجبات السريعة في الخلف، الشبّاك مغلق بسبب البرد، وبسبب أنه لا يوجد زبائن في الوقت الحالي لحين موعد الرحلة القادمة، لكن يظهر أنه يوجد هناك أحد بالداخل، الإنارة مفتوحة، والظلال تتحرّك
الشبّاك بجوار الفتاة، لا يبعد عنها بضع خطوات، لكن تخيّلي لدفء القهوة بين يدي، وطعمها الخاص هنا، لا يمكن مقاومته، توجّهت نحو الشبّاك، نحو الفتاة، التي رفعت رأسها نحوي هي الأخرى بدورها، وابتسمت، فألقيت عليها التحيّة بابتسامة المحرج من الموقف قبل قليل، كانت تقرأ كتابًا ما، كما أنه يبدو عليها البرد أيضًا، وصلت لشبّاك الوجبات وطرقته، وانتظرت لحين وصول إحدى العاملات هناك لتفتح لي: "تفضّل، الوجبات السريعة هنا، كيف يمكنني أن أخدمك؟" رددت: واحد قهوة حجم متوسط. "على الرحب." وذهبت للداخل. في تلك الفترة التي ذهبت فيها للداخل، كان يمكنني أن أشعر لماذا أفشل بالعلاقات دائمًا، هذا لأنني لا أتصرّف كما ينبغي! لم أسأل الفتاة التي بجواري عمّا إذا كانت تريد مشروبًا ساخنًا في هذا البرد، فسألتها: هل تشربين القهوة؟ هل يمكنني أن أطلب لك القهوة؟ فأجابت بكل ود: "لا، شكرًا، لا أحب القهوة!" فعاودت عليها: هل تودين شرب شيء ما؟ بإمكاني فعل ذلك. ردّت: "لا أحبّ القهوة، لكن إن كنت تصرّ، فأفضّل الحصول على مشروب الشوكولاته الساخنة بالأوريو." لم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل، كل ما أعرفه في حياتي هو القهوة، الشاي، والحليب. في هذا الوقت، كانت العاملة قد وصلت وانتهت من تحضير القهوة: "تفضّل، القهوة بحجم متوسط جاهزة، الحساب ثلاث عملات." فاستوقفتها قبل أن أدفع وقلت لها: أريد الحصول على مشروب ابتسامة الأوريو بالساخنة. استغربت وابتسمت وقالت: "عفوًا، هل تقصد مشروب الشوكولاته الساخنة بالأوريو؟" كانت تلك الفتاة على جانبي قد انفجرت بضحك هستيري، وكدت أتفجّر من احمرار وجهي، نظرت تجاه الفتاة على جانبي، والعاملة، ولم أعرف ماذا أقول بالضبط، أصبحت أتكلم بأحرف متقطّعة كالأطفال، لكنها ذهبت لتحضير المشروب، تمنّيت لو ابتلعتني الأرض في ذلك الوقت من شدّة الإحراج، في ذلك الوقت كانت الفتاة لا زالت منفجرة بالضحك، وبالكاد تستطيع الكلام لتخبرني كم أنا ظريف ومضحك، بينما أنا لا زلت لا أستطيع التحدّث. عادت العاملة وبيدها ذلك الشيء الذي لا أعرف اسمه بعد، وقالت: "تفضّل، مشروب الشوكولاته الساخنة بالأوريو جاهز، الحساب ست عملات." أخرجت من جيبي عملة من فئة العشرة وأعطيتها إياها، تناولتها منّي، وفتحت درج الصرافة لتخرج بعض الفكّة لباقي الحساب، أخذتها وشكرتها، ومن ثم تناولت المشروبين وتوجّهت نحو الفتاة. أخرجت العاملة رأسها من النافذة وقالت: "إنّكما زوج لطيف للغاية، ومرح أيضًا." ما الذي فعلته في حياتي لأتلقّى كمّ الإحراجات هذا في يوم واحد! لكنني لم أكن وحدي من شعر به، كانت الفتاة أيضًا كذلك، تحوّل ضحكها، ووجهها المنير ذو الغمازات، لحبّة طماطم، أعطيتها المشروب الذي لا أعرف اسمه، وشاركتها في المقعد، ولم نتكلّم بأي حرف، وبقينا جالسين على تلك الحالة لحين امتلاء المحطّة بالركاب المغادرين، ووصول القطار، حين قام كلانا وألقينا السلام بأقصر كلمة ممكنة، وهربنا من بعضنا البعض بين حشود المغادرين لنستقل القطار، ليعود كلّ منا لما كان فيه، هي لما كانت فيه، دون أن أعرف سبب بقائها في المحطّة مثلي أو ما تفعل هنا في العاصمة، وأنا لوضعي المزري من كوني عاطلًا عن العمل، وعاطلًا عن مجرد التحدّث لفتاة، لأسرح بالمناظر من نافذة القطار كالعادة، بلا عودة متوقّعة




